Tuesday, January 31, 2012

نياحة القديس العظيم أنبا انطونبوس أب جميع الرهبان

في مثل هذا اليوم من سنة 355م تنيح القديس العظيم كوكب البرية، وأب جميع الرهبان، الأنبا انطونيوس. وقد ولد هذا البار سنة 251م في بلد قمن العروس، من والدين غنيين محبين للكنائس والفقراء، فربياه في مخافة الله.
ولما بلغ عمره عشرين سنة، مات أبواه فكان عليه أن يعتني بأخته، وحدث أنه دخل الكنيسة ذات يوم فسمع قول السيد المسيح "إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع أملاكك وأعط للفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني". فعاد إلى بيته، مصمماً على تنفيذ هذا القول، واعتبره موجهاً إليه، فأخذ في توزيع أمواله على الفقراء والمساكين، وسلم أخته للعذارى، ولم يكن نظام الرهبنة قد ظهر بعد؛ بل كان كل من أراد الوحدة، يتخذ له مكانا خارج المدينة. وهكذا فعل القديس العظيم أنطونيوس. حيث اعتزل للنسك والعبادة وكان الشيطان يحاربه هناك بالملل والكسل وخيالات النساء، وكان يتغلب على هذا كله بقوة السيد المسيح، وبعد هذا مضي إلى أحد القبور وأقام فيه واغلق بابه عليه. وكان بعض أصدقائه يأتون إليه بما يقتات به. فلما رأي الشيطان نسكه وعبادته الحارة، حسده وهجم عليه وضربه ضرباً موجعاً وتركه طريحاً.
فلما أتى أصدقاؤه يفتقدونه، وجدوه على هذا الحال، فحملوه إلى الكنيسة، وإذ وجد نفسه تماثل إلى الشفاء قليلاً عاد إلى مكانه الاول. فعاود الشيطان محاربته بأشكال متنوعة في صورة وحوش وذئاب وأسود وثعابين وعقارب.
وكان يصور له أن كلاً منها يهم ليمزقه؛ أما القديس فكان يهزأ بهم قائلا: لو كان لكم عليّ سلطان لكان واحد منكم يكفي لمحاربتي. وعند ذلك كانوا يتوارون من أمامه كالدخان، إذ أعطاه الرب الغلبة على الشيطان.
وكان يترنم بهذا المزمور: "يقوم الله. يتبدد أعداؤه ويهرب مُبغضوه من أمام وجهه". وكان يُعد لنفسه من الخبز ما يكفيه ستة أشهر كاملة. ولم يسمح لأحد بالدخول؛ بل كان يقف خارجاً، ويستمع لنصائحه. وقد استمر القديس علي هذا الحال عشرين سنة، وهو يتعبد بنسك عظيم. ثم مضي بأمر الرب إلى الفيوم، وثبت الأخوة الذين كانوا هناك ثم عاد إلى ديره.
وفي زمن الاستشهاد تاق أن يصير شهيداً، فترك ديره ومضي إلى الإسكندرية، وكان يفتقد المسجونين على اسم المسيح ويعزيهم. فلما رأى منه الحاكم المجاهرة بالسيد المسيح وعدم المُبالاة، أمر ألا يظهر بالمدينة مطلقاً. ولكن القديس لم يعبأ بالتهديد، وكان يُوجهه ويُحاجه، لعله يسوقه للعذاب والاستشهاد؛ ولكن لأن الرب حفظه لمنفعة الكثيرين فقد تركه الحاكم وشأنه.
وبتدبير من الله رجع القديس إلى ديره، وكثر الذين يترددون عليه ويسمعون تعاليمه. ورأي أن ذلك يشغله عن العبادة، فأخذ يتوغل في الصحراء الشرقية، ومضي مع قوم أعراب إلى داخل البرية على مسيرة ثلاثة أيام، حيث وجد عين ماء وبعض النخيل فاختار ذلك الموضع وأقام فيه، وكان العرب يأتون إليه بالخبز.
وكان بالبرية وحوش كثيرة طردها الرب من هناك من أجله. وفي بعض الأيام كان يذهب إلى الدير الخارجي، ويفتقد الأخوة الذين هناك ثم يعود إلى الدير الداخلي. وبلغ صيته إلى الملك قسطنطين المُحب للإله، فكتب إليه يمتدحه، ويطلب منه أن يُصلي عنه.
ففرح الأخوة بكتاب الملك؛ أما هو فلم يحفل به وقال لهم: هوذا كتب الله ملك الملوك ورب الأرباب توصينا كل يوم ونحن لا نلتفت إليها؛ بل نعرض عنها، وبإلحاح الأخوة عليه قائلين إن الملك قسطنطين محب للكنيسة، قبل أن يكتب له خطاباً باركه فيه، طالباً سلام المملكة والكنيسة. واعتراه الملل ذات يوم فسمع صوتا يقول له: اخرج خارجاً وانظر.
فخرج ورأي ملاكاً متوشحاً بزنار صليب مثال الإسكيم المقدس، وعلى رأسه قلنسوة، وهو جالس يُضفر، ثم يقوم ليصلي، ثم يجلس ليُضفر أيضاً. وأتاه صوت يقول له: يا انطونيوس افعل هكذا وأنت تستريح.
فاتخذ لنفسه هذا الزي من ذلك الوقت وصار يعمل الضفيرة ولم يعد الملل. وتنبأ عن الاضطهاد الذي يسحل بالكنيسة وتسلط الهراطقة عليها، ثم أعادتها إلى حالتها الأولى، وعلى انقضاء الزمان ولما زاره القديس مقاريوس ألبسه زي الرهبنة وأنبأه بما يسكون منه. ولما دنت أيام وفاة القديس الأنبا بولا أول السواح، مضى إليه القديس انطونيوس، واهتم به وكفنه بحُلة أهداها إليه القديس أثناسيوس الرسولي البابا العشرون.
ولما شعر القديس انطونيوس بقرب نياحته، أمر أولاده أن يخفوا جسده، وأن يعطوا عكازه لمقاريوس، والفروة لأثناسيوس، والملوطة الجلد لسرابيون تلميذه.
ثم رقد مُمدداً على الأرض وأسلم الروح، فتلقتها صفوف الملائكة والقديسين. وحملتها إلى موضع النياح الدائم. وقد عاش هذا القديس مائة وخمس سنوات، مجاهداً في سبيل القداسة والطهر.
صلاته تكون معنا ولربنا المجد دائماً أبدياً آمين.